مساحات سبورت : مورينيو يعيد لريال مدريد سلاحا لا تشتريه الصفقات


هذه هي كرة القدم
ريال مدريد لم يكن بحاجة إلى مدرب ليكتشف موهبة مبابي أو بيلينجهام. يمتلك الفريق بالفعل ما يكفي من الجودة الفردية لإحداث الفارق ضد أي منافس. ما كان ينقصنا هو شيء مختلف تماما، لتتحول هذه الأسماء إلى مجموعة تعمل بعقلية واحدة، بدلا من انتظار الحلول الفردية لحفظ المباريات.
وهذه هي الفكرة الأهم حتى الآن في تجربة جوزيه مورينيو. وقدم المدرب البرتغالي لجماهير ريال مدريد ما انتظرته لمدة عامين ونصف، بعد أن كان هناك 11 لاعبا يقاتلون ويركضون باستمرار من أجل الفريق، مع جودة كرة القدم والأهداف تأتي بشكل طبيعي بفضل الإمكانات الهجومية المتاحة.
مورينيو خلق فريقا حقيقيا، دون أن يعني ذلك ضمان الفوز بالألقاب، لكنه وضع ريال مدريد في موقف أقرب بكثير للمنافسة، بعد أن افتقدت جماهيره هذا الشعور لفترة طويلة.
التحول الأهم في ريال مدريد لا يتعلق بعدد الأهداف أو حتى القدرة على حسم المباريات الكبيرة، بل يرتبط بطريقة تعامل اللاعبين مع الأدوار الجماعية.
مع مورينيو، امتلاك الكرة أو انتظار اللحظة المناسبة للانطلاق لم يعد كافيًا للحصول على مكان في المنظومة. هناك مسؤوليات دفاعية يجب تنفيذها، ومساحات يجب تغطيتها، وضغط يتطلب مشاركة أكثر من لاعب حتى لا يتحول إلى مجهود فردي لا فائدة منه.
هذا ما يحتاجه فريق يملك أسماء هجومية استثنائية، لكنها وحدها لا تستطيع تعويض غياب التوازن. مبابي وديوماندي يستطيعان حسم المباريات، لكنهما يحتاجان إلى خط وسط يحمي الفريق، ودفاع لا يجد نفسه مكشوفا مع كل هجمة مرتدة، ومجموعة تتحرك كوحدة واحدة عند فقدان الكرة.
أحد الاختلافات الواضحة في نهج مورينيو هو أنه لا يتعامل مع الاستحواذ كهدف في حد ذاته، ولا يرى ضرورة أن يكون ريال مدريد الطرف الأكثر هيمنة من أجل فرض شخصيته. والأهم بالنسبة له هو الحفاظ على المسافات بين الخطوط، وإغلاق المساحات أمام الخصم، ومن ثم استغلال السرعة والجودة الفردية عند استعادة الكرة.
وقد ظهر ذلك بوضوح في الكلاسيكو، عندما استحوذ ريال مدريد على الكرة بنسبة 37% فقط، في مقابل التركيز بشكل أكبر على الانضباط الدفاعي والتحولات الهجومية. ولم يكن الهدف أن يقدم الفريق مباراة استعراضية، بل الحد من خطورة برشلونة واستغلال اللحظات المناسبة للتفوق عليهم.
لكن تطبيق هذه الفلسفة يتطلب تنازلات من النجوم أنفسهم. المهاجم الذي كان يحتفظ بجهده للحظة الهجوم أصبح مطالبا بالمشاركة في الضغط، ولاعب الوسط الذي يفضل التقدم يحتاج إلى الالتزام بالتغطية، وحتى الأسماء التي تتمتع بحرية كبيرة مع الكرة يجب أن تحترم مواقعها عندما يفقد الفريق الاستحواذ.
وهنا تكمن إحدى أهم مهام مورينيو؛ فهو لا يحاول التقليل من قيمة نجومه، بل يريد أن تجعل أدوارهم الفردية تخدم النظام بدلاً من السيطرة عليه.
لكن نجاح مورينيو في خلق هذه الروح الجماعية لا يمكن اعتباره دليلا كافيا على اكتمال مشروعه. هناك فرق بين إقناع اللاعبين بالقتال في بداية تجربة جديدة، وبين الحفاظ على نفس الالتزام عندما تتراكم المباريات وتظهر الإصابات ويخسر الفريق بعض النقاط.
سيحتاج ريال مدريد أيضًا إلى إثبات قدرته على الجمع بين الانضباط الدفاعي والجودة الهجومية، خاصة أمام المنافسين الذين لا يمنحونه مساحة للتحولات السريعة. لا يمكن للفريق أن يعتمد دائمًا على إغلاق المساحات وانتظار أخطاء الخصم، لكنه يحتاج أيضًا إلى حلول عندما يضطر إلى اللعب.
وهذا ما سيحدد قيمة عمل مورينيو خلال الفترة المقبلة. فهل يستطيع الحفاظ على الروح القتالية دون التضحية بالقدرات الهجومية، وتحويل الانضباط الذي ظهر في المباريات الكبيرة إلى سلوك ثابت طوال الموسم؟

